ألا تشعر أن كل شيء أصبح في علبة هذه الأيام؟
الكعك، كوب القهوة الساخن، الأماكن الطبيعية الجميلة، وأنا وأنت أيضا!
كنت مع أحد أصدقائي في أحد صالات الألعاب (arcade) واستحضرني للحظة كيف أنه في الماضي كنتَ عندما تود لعب إحدى ألعاب الفيديو على سبيل المثال فإنك بطبيعة الأمر ستأتي لصالة ألعاب كتلك حيث ستلتقي بالعديد من الناس، منهم أصدقاؤك وغيرهم في تجربة ليست ترفيهية فحسب، إنما اجتماعية أيضا على نفس القدر.
لو تأملت لوهلة، لوجدت أن واقعنا الحالي وكأنما صمم تصميمًا هندسيًا دقيقًا لكي تصبح تلك التجارب الاجتماعية أقل و في نطاق قابل للتحكم والمتابعة، كما أنها أصبحت عادة تشتمل على وسيط (تطبيق، منصة، أوغيره..)، وعلى الرغم من أنه يبدوا لمن يسمع بفلسفة تلك المنصات لأول مرة أنها تساعد الناس في الوصول إلى مجتمعات أكبر إلا أن النتيجة الملموسة هي على النقيض.
يمكنك الآن أن تصل للأفكار، للمعلومات، للمحتوى الترفيهي وغيره بسهولة، لكن يصعب عليك أن تصل للأشخاص، ومقصدي بذلك هو أن تصل إليهم حقًا، أن تستطيع أن تبني معهم رابطة حقيقية.
ولكي أصدقكم القول، لا أظن أن من يُلام هو تلك المنصات فقط وإن كانت لها نصيب الأسد، إلا أن هناك العديد من العوامل الأخرى التي يصعب مناقشتها، إنها تجربة متكاملة. وللأمانة فنحن أيضًا لسبب ما أصبحنا نميل للعزلة..
أوليست العزلة أسهل، أوفر، وأكثر راحة على أي حال؟
عندما كنت صغيرًا، لم أجد أبدًا صعوبة في تكوين صداقات جديدة، التعرف على أشخاص ذوي اهتمامات مشتركة سواء في المدرسة، في الحدائق العامة، في الحي، في التحفيظ، في منتديات vbulletin أو على تطبيق Skype.
لا أذكر أبدا إني قد احتجت أن أفكر بالموضوع للحظة، فدومًا ما كان يحدث ذلك بشكل طبيعي وتلقائي.
أما الآن وأنا بطبيعة الحال كشخص بالغ أقضي جزءًا لا بأس به من يومي بالعمل، سواء من المنزل (remotely) أو من مقر الشركة، وبحكم ظروف الحياة الأخرى، أصبحت تلك التجارب الاجتماعية تؤول إلى الاضمحلال بمرور الوقت. فأصبحت أقدرها أكثر فأكثر، أود لو أضع كل تجربة منها في إطار بكل تفاصيلها وأعلقها على حائط الذكريات في قلبي وعقلي.
أحيانا أشعر أن كلًا منا يعيش في علبته الخاصة، علبة وكأنها صندوق سحريّ، مَرآهُ من الداخل هو الواقع المنظور لمن يقطن بداخله، هو الحقيقة، هو ما يهم.
كلنا كذلك، ولا يبدو أن أحدًا منا يدرك حقًا ما هو “الواقع المجرد”. هل يوجد أصلًا!؟
إن مما يحزنني قليلًا هو أنني ولسبب ما أشعر أن هناك الكثير من الأشخاص الذين كنت سأسعد بمعرفتهم، سواء أصدقاء محتملين أو حتى زوجتي المستقبلية، لكنني أشعر بذاك الصندوق يقيد حركتي بشكل ما ووصولي إليهم.
أحاول أن أفعل ما باستطاعتي لكي أخرج منه ولو لوهلة، فتارة أنجح وتارة أفشل، لكنني قضيت ما يكفي من الوقت وأنا لا أدرك وجوده أصلاً..
وأنت ماذا عنك؟ هل علمت أنك تعيش في علبة بعد؟
